علي عبادي
بما ان الصُدف في السياسة قليلة، والأمن يرتبط ارتباطاً وثيقاً بالسياسة، يتعذر تفسير ما حدث في نينوى من دون ملاحظة الظروف السياسية التي يمر العراق بها. فثمة نقاش حامٍ حول الحكومة المقبلة: شكلها ومن يتولاها. ومن بين السياسيين من يعارض علناً تولي نوري المالكي رئاسة الوزراء لولاية ثالثة، وهؤلاء يجدون حاضنة من دول اقليمية تناصب المالكي العداء لأنها ترى انه لا يعطي حلفاءها المكانة المطلوبة او لأنها لا تريد زعامة قوية في العراق، او ربما لأنه على صلة طيبة بايران في وقت لم يغادر هذه الدولَ التفكيرُ بأن يبقى العراق حاجزاً طبيعياً في وجه ايران يستنزفها وتستنزفه.
قطع الطريق على المالكي
والحق ان الخلاف ليس طائفياً، وإن اكتسب هذه الصفة في بعض الاوقات بفعل بعض المتشددين او المتنفعين، فللمالكي معارضون في داخل البيت الشيعي، كما في طوائف وقوميات أخرى، وله حلفاء بقدر أو آخر بين الجميع. لكن سياسته القائمة على "مركزة" القرار في العراق لا تلقى استحساناً من العديد من الأطراف السياسية التي ترى انها قد تعيد شبح الدكتاتوريات السابقة، وهي تريد المشاركة في القرار والمنافع السياسية من مناصب وميزانيات، في حين يرى المالكي أنها محاصصة تمثل مظلة "لتناتش" خيرات الدولة وإبقاء القرار رهناً لتوافق قد يتعذر.
الجيش نقطة القوة.. والضعف
وربما تم بناء الجيش بطريقة مستعجَلة بهدف الاسراع في القيام بالمهام الامنية الكبيرة، غير ان ذلك تم من دون عقيدة قتالية واضحة، كما جرت الاستفادة من ضباط في الجيش المنحل لهم ما لهم وعليهم ما عليهم. والحديث عن خروق في الأجهزة الامنية بفعل الفساد والمحسوبيات والولاءات لم يعد سراً، ومن المثير للدهشة مثلاً ان مجلس محافظة صلاح الدين لجأ خلال الأحداث الأخيرة الى تبديل قائد شرطة المحافظة وتعيين ضابط مدرج على قائمة "اجتثاث البعث" ليكون قائد شرطتها، كما تم الإتيان بنائب له مدرج على القائمة نفسها!
والبعثيون، على رغم ما أصابهم في الفترة الماضية، ما زالوا ناشطين: علناً عبر تنظيمات تحمل أسماء مموهة مثل "جيش الطريقة النقشبندية"، وسراً في داخل الاجهزة الامنية التي كانت لهم فيها حرفة طويلة الأمد، وربما يتبادلون الخدمات مع تنظيم "داعش" وأمثاله، ومن ذلك المعلومات الاستخبارية التي تمكنّهم بصورة مستمرة من خرق نقاط التفتيش الكثيرة والقيام بتفجيرات عديدة في يوم واحد. ولوحظ أن هذه التنظيمات، على ما بينها من تناقض ايديولوجي، قد انتشرت جميعاً في شوارع الموصل في ما يشبه الانقلاب، ثم أخلى عناصر "داعش" الساحة فجأة لمصلحة تنظيمات أخرى واتجهوا ناحية ربيعة غرب الموصل، وفق بعض التقارير! هذا برغم ان "داعش" كانت تؤكد انها لن تتخلى عن شبر واحد سيطرت عليه. ويجزم بعض العارفين بأن "داعش" تنظيم مخترَق من غير جهة ويقوم ببعض الأعمال نيابة عن الجهة التي توكله، وهو ليس إلا واجهة فظة لإسقاط العملية السياسية معتمِداً خطاباً طائفياً مقيتاً.
الرابح الأكبر
في المحصلة، تكاتفت عوامل عدة لإحداث خرق في الجسم العراقي: ترهل بنية الجيش، تهامل او تواطؤ بعض القادة العسكريين، غياب التوافق الوطني، الدور الاقليمي المشجع على التمرد لقطع الطريق على ولاية جديدة للمالكي وتعديل اتجاه العملية السياسية، الدور الكردي الحاضن للقادة العسكريين الهاربين والسياسيين المعارضين للمالكي أملاً في إضعاف الحكومة المركزية وليّ ذراعها في شأن التفاوض على صادرات النفط والمناطق المتنازع عليها. ولقد ازحمت اربيل عاصمة اقليم كردستان بالشخصيات التي تبارت في عقد مؤتمرات صحافية لإعلان شروطها ورؤاها وربما لإعلان قرب الانتصار!
وفي وقت يخسر المالكي والنجيفي وغيرهما من الأقطاب في هذا الوضع المضطرب، يبقى اقليم كردستان الرابح الأكبر مما جرى. ذلك ان قوات البشمركة الكردية، وهي الجيش النظامي للإقليم المحكوم ذاتياً، تمددت خارج نطاق الاقليم في ما يعرف بالمناطق المتنازع عليها بحجة حماية الأكراد المنتشرين فيها، ووصلت الى قضاء طوز خرماتو بمحافظة صلاح الدين، وناحية جلولاء في محافظة ديالى، ونواح عدة في محافظة نينوى، كما خلا لها الجو في كركوك وهي محطة مفصلية في النزاع بين الاقليم والحكومة المركزية. وأصبحت للأكراد اليد العليا في كل ما يجري من دون ان يضطروا لخوض معركة كبيرة، وهم الآن يعرضون - بشروطهم- مساعدة الجيش العراقي في قتال الجماعات المسلحة.
علاجات أو.. الفدرلة
لكن التحدي العاجل يتمثل في استعادة المناطق التي اجتاحها المسلحون، وإلا سيتحول الوضع الحالي نقطة قطع مع الحكومة المركزية، وقد يصبح العراق أجزاء مبعثرة تبرر وصفة جو بايدن نائب الرئيس الاميركي عام 2007 بتحويل هذا البلد الى مناطق فدرالية ثلاث على أسس طائفية وقومية.
| روابط هذه التدوينة قابلة للنسخ واللصق | |
| URL | |
| HTML | |
| BBCode | |
kamindoz
