الحشد الشعبي

Recent Products RSS Feeds

فريق الهكر العراقي KAMINDOZ

TOOLS & EXPLOIT KAMINDOZ

DOWNLOAD VIDEO
 

اخر التغريدات
مقاطع الفيديو

عالم_الجاسوسية #المخابرات #spy - جاسوس خمسة نجوم ( قصة اخطر جاسوس في تاريخ الولايات المتحدة الأمريكية )

KAMINDOZ

↑ Grab this Headline Animator

ما رأيكم فى تغيير الروتين ونشر قصة طويلة .. ؟
موافقون .. ؟
اذا هلم بنا .. :

جاسوس خمسة نجوم ( قصة اخطر جاسوس في تاريخ الولايات المتحدة الأمريكية )
الفصل الأول: ” الـمـلف “
العاصمة الروسية (موسكو) ، حيث أضاف الثلج ذلك اللون الأبيض المتألِّق، إلى أسطح وقباب المبانى، وبالذات فى (الكرملين)، مقر الحكم العريق، الذى يضم بين مبانيه أحد أخطر أجهزة الأمن، فى الشرق الأقصى كله..
مقر المخابرات الروسية الحديثة (svr)، التى خلفت جهاز المخابرات السوفيتى السابق الرهيب (kgb)..
ومع دقات منتصف الليل، وفى الوقت الذى بلغ فيه تساقط الجليد ذروته، وانخفضت درجات الحرارة، إلى حد غير مسبوق، منذ سنوات طوال، راح أحد رجال جهاز
المخابرات الروسى يتحرَّك فى خفة، فى أحد ممرات المبنى، قبل أن يتسلَّل فى حذر إلى حجرة كبيرة، حملت لافتة واضحة، تحدِّد أهمية محتوياتها وخطورتها، والفئات المسموح لها لدخولها، من بين العاملين فى جهاز المخابرات..
ولقد تجاوز ذلك الرجل اللافتة، على نحو يوحى بأنه ضمن الفئات الصالحة لتجاوزها، على الرغم من أن أحداً لم يفصح عن هويته قط، حتى لحظة كتابة هذه
السطور، واتجه مباشرة نحو دولاب ملفات خاص، راح يقلِّب محتوياته فى سرعة ومهارة، بأسلوب يفصح عن درايته الكاملة بما يبحث عنه، حتى التقطت أصابعه
ملفاً بعينه، سحبه من وسط عدد ضخم من الملفات، وفتحة أمامه، ثم أخرج من جيبه آلة تصوير رقمية صغيرة الحجم، شديدة الحساسية، وراح يلتقط بها صور كل الوثائق والخطابات، التى يحويها الملف..

استغرق منه هذا العمل ما يقرب من نصف ساعة كاملة، تواصل خلالها انهمار الجليد فى الخارج بلا انقطاع، حتى انتهى من تسجيل كل وثيقة يحويها الملف، قبل أن
يعيده إلى موضعه، ويلقى نظرة أخيرة على تلك الكلمة القصيرة، المسجَّلة على طرفه..
كلمة (العميل بى)..
ولم تمضى نصف ساعة أخرى، حتى كان ذلك العميل الروسى، الذى التقط صور الملف، قد بلغ منزله، وجلس أمام جهاز الكمبيوتر الخاص به، فى حجرة مكتبه الخاصة، التى أغلق بابها فى إحكام، قبل أن يخرج آلة التصوير الرقمية من جيبه فى عناية، ثم يوصلها بجهاز الكمبيوتر، ويبدأ اتصاله بشبكة الإنترنت، و…
وفى توتر شديد، لم يستطع مقاومته أو إخفاءه، راح يتابع تلك الصور التى التقطها للملف السرى، وهى تنتقل، عبر شبكة الإنترنت، إلى (لانجلى)، فى الولايات المتحدة الأمريكية..
وإلى مقر المخابرات المركزية هناك..

انقلبت إدارة مكافحة الجاسوسية، فى المخابرات المركزية الأمريكية رأساً على عقب، فور وصول تلك الصور السرية الخاصة من (موسكو)، واجتمع فريق من الرجال
على الفور، فى حجرة الاجتماعات الخاصة، وقال أكبرهم رتبة، وهو يضع أمام كل منهم نسخة مطبوعة بمنتهى الدقة، من صور الوثائق والخطابات :
– راجعوا كل ورقة، بل كل كلمة وكل حرف، بمنتهى العناية والاهتمام، فما بين أيديكم الآن، هو الخيط الوحيد، الذى أمكننا التقاطه، بعد ستة عشر عاماً من البحث والتحقيقات المتصلة، فى محاولتنا للكشف عن هوية ذلك الجاسوس، الذى ينقل أسرارنا، وأسرار مكتب التحقيقات الفيدرالى، ووكالة الأمن القومى، والبنتاجون، إلى الروس، منذ أكثر من عشرين عاماً.
كانت كلماته تكفى لأن يولى الجميع كل اهتمامهم وانتباههم إلى الأوراق التى بين أيديهم، وأذهانهم كلها تسترجع تفاصيل أعوام طويلة من البحث عن ذلك
الجاسوس، الذى اعتبروه جميعاً أخطر جاسوس عرفته الولايات المتحدة الأمريكية،
فى تاريخها كله..
الجاسوس الذى لم يعلموا عنه، بعد جهد شاق، سوى أنه يستخدم، فى اتصالاته مع المخابرات الروسية، اسماً مستعاراً، بالغ الصغر والبساطة..
اسم (بى)..
ولقد استغرقت عملية مراجعة الأوراق والوثائق والخطابات ما يزيد عن خمس ساعات كاملة، قبل أن يتوقَّف أحد الرجال عند خطاب واحد، يحوى عبارات بدت له مألوفة
للغاية..
عبـارات اعـتاد أن يسمعها من أحـد الـعاملين، فى قسـم الوثائـق السرية، في مكتب التحقيقات الفيدرالى (fbi)..
وبكل ما اعتمل فى نفسه، غمغم عميل المخابرات فى توتر شديد:
– إنه (بوب).

وبحركة حادة، رفع الجميع عيونهم إليه، وحدَّقوا فى وجهه بشدة، وأكبرهم رتبة يتساءل:
– (بوب)؟!.. أى (بوب) تقصد؟!

وعلى الرغم من سؤاله، وقبل حتى أن يجيب عميل المخابرات، أدرك الكل ما يعنيه زميلهم..
فالعبارات نفسها جذبت انتباههم أيضاً، وأيقظت فى أعمق أعماق عقولهم ذكريات قريبة..
قريبة جداً..
ذكريات، راحت تترابط، وتتركَّز، وتتعمَّق بمنتهى السرعة، للتحوَّل فى عقولهم إلى كلمات مسموعة، ودعابات معتادة، طالما سمعوها على لسان ذلك الشخص، الذى
يخاطبونه جميعهم باسم (بوب)..
(روبرت هانسن)..
واتسعت العيون كلها فى توتر بالغ، ودهشة بلا حدود، قبل أن يتصل الاجتماع لساعة أخرى، اتفق الجميع بعدها على هوية (بى)، وعلى خطة لحسم الأمر، بوضع
(روبرت هانسن) تحت المراقبة..
ولثلاثة أشهر كاملة، تم حصار (روبرت هانسن) على نحو لم يسبق له مثيل..
بيته، ومكتبه، ومطعمه المفضل، وكنيسته المعتادة، وحتى سيارته، وضعت كلها تحت مراقبة متواصلة، بالصوت والصورة..
حتى يوم الأحد، الثامن عشر من فبراير، عام ألفين وواحد..
ففى صباح ذلك اليوم، اصطحب (هانسن) زوجته وأبناءه إلى الكنيسة كالمعتاد، وبدا هناك هادئاً باسم الثغر كعادته، حتى أن بعض النساء قد حسدن زوجته على زوجها المحب، ووالد أبنائها العطوف، وبعدها أعاد (هانسن) عائلته إلى منزله، ثم التقط لفافة، وضعها فى سيارته، التى انطلق بها إلى حديقة كبيرة فى ولاية
(فرجينيا)..


ومع وصوله إلى الحديقة، ودون أن يتلفَّت حوله، أو يبدو عليه أدنى أثر للتوتر، حمل (هانسن) تلك اللفافة، واتجه نحو اللافتة الخشبية الكبيرة، التى تحمل اسم الحديقة، وتوقَّف لحظة؛ ليتأكَّد من أن أحداً لا يراقبه، ثم انحنى ليدس اللفافة فى مكان خفى، و…
وفجأة، برز ثلاثة أشخاص من حوله، وكأنهم نبتوا من العدم، وانقضوا عليه فى عنف، وكبلوا حركته فى قوة، واستعاد أحدهم تلك اللفافة، قبل أن يدفعه الثلاثة
أمامهم فى قسوة، وأحدهم يقول فى صرامة:

- (روبرت هانسن).. إننى ألقى القبض عليك، بتهمة التجسُّس لحساب المخابرات الروسية، لأكثر من عشرين سنة.. لك الحق التام فى الصمت، وعدم التحدُّث إلا فى
وجود محام؛ لأن كل ما تقوله قد يؤخذ ضدك، و…
كان أحدهم قد دفع (هانسن) فى غلظة، ليستند إلى مقدمة سيارتهم، وعدد آخر من الرجال المسلحين يحيط بهم، عندما قاطع (هانسن) ذلك الذى يتلو عليه حقوقه
القانونية، وهو يقول فى هدوء عجيب، مع ابتسامة تكسو شفتيه :

- ما الذى أخَّركم كل هذه السنين أيها الزملاء.
وفى حنق ساخط، انعقدت حواجبهم جميعاً، وتمنوا لو لم يسمعوا منه تلك الكلمة الأخيرة بالذات..
فالواقع أن (روبرت هانسن) كان زميلاً لهم بالفعل..
بل كان عميلاً شديد الأهمية والخطورة بين صفوفهم..
وعلى أرفع مستوى ..
ملحوظة : قصة حقيقية حدثت بالفعل

الفصل الثاني: “المـراحـل الأولـى”

فى بلدة (نوروود) الصغيرة، فى ولاية (شيكاغو) الأمريكية، تلك الولاية التى
يرتبط اسمها فى كل الأذهان، بأسماء إجرامية شهيرة، مثل (آل كابونى) و(ديننجر)
وُلِدَ ونشأ (روبرت فيليب هانسن)…
كان الابن الأوَّل لرجل الشرطة الصارم (فيليب)، الذى حاز شهرة معقولة، فى بلدته الصغيرة، فى خمسينات القرن العشرين، باعتباره مثالياُ، نادراً ما يخطئ،
أو يغفر، أو يتنازل عن حق القانون أبداً، حتى ولو كان المتهم ابنه شخصياً..
ولأن الرجل شديد الصرامة، معد على مستويات عالية من الكفاءة والإتقان، فقد كان من المعتاد أن يضخِّم من أية أخطاء ترتكبها زوجته، أو يرتكبها ابنه
(روبرت)، وان يعاقبهما بمنتهى القسوة، على أقل هفوة، مما جعلهما يخشيانه،
ويتحاشيانه، ويفرغان عواطفهما مع بعضهما البعض فحسب، فالأم كانت شديدة الرعاية، والعناية بابنها (روبرت)، أو (بوب)، حتى أنه كان الطفل الوحيد بين
أقرانه، الذى يرتدى دوماً القمصان النظيفة، والأحذية البيضاء الناصعة..
وباستمرار، كانت الأم تغمر ولدها (بوب) بقبلاتها، ورعايتها، وحنانها، فى حين كان الأب دائم السخرية منه، ويعلن فى كل مناسبة، وفى وجود أى أشخاص، أن ابنه
هذا فاشل، وغير قادر على تحقيق النجاح، فى أية مرحلة من مراحل حياته..
والعجيب أن (بوب) قد تأثَّر بموقف أبيه، أكثر بكثير مما اهتم برعاية وحب أمه،
حتى أن أحد أهدافه فى الحياة، أصبح أن يثبت نجاحه وتفوّقه، فى نفس الوقت الذى حمل فيه لأبيه شعوراً متناقضاً عجيباً، يجمع ما بين الحب، الذى يبلغ درجة
الانبهار، والحنق، الذى يتجاوز ذروة الكراهية..

وطوال الوقت، كان الكل يصف (بوب) بأنه ليس صبياً محبوباً، ولكنه بالغ الذكاء فى الوقت ذاته، وهذه هى الصفات التى التصقت به، خلال فترة دراسته فى مدرسة
(ويليام هاورد تافت) الداخلية، هو وصديق عمره، الذى لم يفارقه، حتى يوم سقوطه (جاك هوشوار)..
كلاهما وُصِف بأنه من الطراز الذكى، الممل، الذى لا يحقق نجاحات مرموقة، أو يرسب فى أية اختبارات، فى الوقت ذاته..
ثم التحق (بوب) بعدها بكلية (نوكس) فى ولاية (أيلينوى)، وراح يعمل خلال فترات الصيف فى مستشفى (شيكاغو)، مما أسعد والده، الذى رغب دوماً فى أن يصبح ابنه
طبيباً يوماً ما..
والواقع أن (بوب)، أو (روبرت) لم يرغب أبداً فى أن يصبح طبيباً، وإنما كان يبغض مهنة الطب بشدة، فى قرارة نفسه، على الرغم من أنه قد سجَّل اسمه فى كلية
طب الأسنان، عام 1966م، ولكن السبب الحقيقى لهذا كان التهرُّب من التجنيد فى حرب (فيتنام)؛ بدليل أنه لم يلبث أن غادرها فى عام 1968م، أى بعد عامين فحسب
من التحاقه بها، دون أن يحقق فيها أى نجاح يُذكر..
وطوال تلك الفترة، كان (روبرت هانسن) يؤكِّد لصديق عمره (هوشوار) أن حلمه الأساسى هو أن يصبح جاسوساً شهيراً، مثل (كيم فيلبى)، ذلك الجاسوس البريطانى،
الذى عمل فى صفوف المخابرات البريطانية فى الثلاثينات، وراح يتجسَّس لحساب
السوفيت، حتى انكشف أمره، فبادر بالفرار إلى (موسكو)، عام 1963م، قبل إلقاء القبض عليه..
كان (فيلبى) بالنسبة إليه أسطورة، مما يوحى بأن الهدف الفعلى لتجسُّسه، كان التشبّه به..
ولقد بدأ (هانسن) رحلة تحقيق حلمه، بعد وفاة والده مباشرة، إذ التحق أيضاً بشرطة (شيكاغو)، وتم إلحاقه بقسم الشئون الداخلية، الذى تعتمد مهمته على جمع
كل المعلومات الممكنة عن رجال الشرطة، وعن أخطائهم وأسرارهم، والتحقيق فى أية مخالفة يرتكبونها..
وفى تلك الفترة، شغف (هانسن) تماماً بلعبة الأسرار هذه..

شغف بالإطلاع على أسرار الآخرين، ومعرفة ما لا يعرفونه، وراح يقضى معظم وقته
فى العمل، لمراجعة الملفات القديمة، والبحث بنهم شديد عن المزيد والمزيد من الأسرار..
وكأنما أراد القدر أن يمنحه ما يحب، فقد تم نقله إلى مكتب التحقيقات الفيدرالى (fbi)، لتجرى تحت أصابعه عشرات الأسرار الأخرى..
وفى هذه المرة، كانت أسرار (أمريكا) نفسها..
وسط كل هذا، تزوَّج (هانسن) من شابة فاتنة، تُدعى (بونى ووك) وانضم إلى جمعية دينية متزمتة، كانت تطالب أعضائها بحضور القداس يومياً، والاعتراف كل أسبوع..
ولقد واظب (هانسن) على هذه الالتزامات الدينية طوال الوقت، منذ بداية الثمانينات، حتى يوم سقوطه، دون أن يتخلَّف عنها يوماً واحداً..
وكان هذا جزءاً من التناقضات الرهيبة فى شخصيته المعقَّدة..
المهم أنه، وبعد زواجه من (بونى)، انتقل للعمل فى إدارة المباحث الفيدرالية فى (نيويورك)..
أو بمعنى أصح، فى أكبر وأقوى مكاتب التحقيقات الفيدرالية، فى الولايات المتحدة الأمريكية كلها..
وهناك، فى فرع (نيويورك)، وجد (هانسن) فيضاً من الأسرار يجرى بين أصابعه،
خاصة وأنه قد تطوَّع للقيام بعمل شديد الرتابة، لم يكن من الممكن أن يقبله غيره أبداً..
كان مكتب التحقيقات الفيدرالى قد تزوَّد بأجهزة كمبيوتر حديثة، وفقاً لمقاييس تلك الفترة، وكان يحتاج إلى من ينقل كل البيانات السرية، الموجودة على آلاف
البطاقات، وفى قلب عشرات الآلاف من الملفات، إلى قلب الكمبيوتر، لتنطلق عبر شبكة المعلومات الإلكترونية الخاصة..
وخلال أداءه هذا العمل، أصبح من حق (هانسن) أن يطلع على أدق أسرار مكتب التحقيقات الفيدرالى..
بل وعلى أدق دقائق وأسرار (أمريكا) كلها..

كانت أصابعه تنقل، فى كل ساعة، آلاف المعلومات، عن مكتب التحقيقات الفيدرالى،
ووكالة المخابرات المركزية، ووكالة الأمن القومى، والبنتاجون، والمخابرات العسكرية..
معلومات يندر أن يطالعها إلا فئة قليلة للغاية..
وعلى الرغم من أن (هانسن) لم يبد تفوّقاً فى عمله، داخل مكتب التحقيقات الفيدرالى (fbi)، بل واشتهر بأنه بارد، ممل، عديم القدرة على إجراء أية اتصالات، أو تواصلات اجتماعية إو إنسانية، مما يبعده تماماً عن المناصب
القيادية، أو حتى الأعمال الميدانية، إلا أن طبيعة عمله المضجرة، كانت تحتم حصوله على تصريح خاص، يتيح له الإطلاع على كل المعلومات والبيانات السرية،
مهما بلغت درجة خطورتها..
وفى الوقت نفسه، كانت الحياة فى (نيويورك) مرهقة كثيراً بالنسبة له، فهو رجل
متزوّج، ومحدود الدخل، وهذا يضطره إلى الإقامة فى الضواحى، وقطع مسافة طويلة للذهاب إلى عمله يومياً، مما يستهلك أيضاً جزءاً من دخله، ويمنعه من تقديم
الكثير لزوجته وأسرته، و…
ومن هنا كانت البداية..
فذات يوم، وتحت وطأة الحاجة إلى المال والراحة، أقدم (هانسن) على خطوة خطيرة للغاية ؛
فقد كتب رسالة إلى (فيكتور تشيركاشين)، مسئول المخابرات السوفيتية (kgb)، فى السفارة السوفيتية فى (واشنطن)، ليبلغه فيها معلومة سرية، بالغة
الأهمية والخطورة..
لقد أبلغه أن الولايات المتحدة الأمريكية، ممثلة فى جهاز مخابراتها، تحفر نفقاً تحت مبنى السفارة السوفيتية الجديد، للتجسُّس على كل الاتصالات السوفيتية..

كان هذا فى منتصف عام 1985م، حيث لم تكن التكنولوجيا قد بلغت بعد الحد الكافى، لاختراق ثلاث بوصات من الفولاذ والأسمنت المسلَّح، وزرع أجهزة
الالتقاط والتنصُّت، إلا أن الأمريكيين رأوا أنه من الضرورى أن يتواجد النفق،
بحيث يكون جاهزاً، عندما توجد التكنولوجيا فى المستقبل القريب..
معلومة بالغة الأهمية، وبالغة الخطورة أيضاً، مما يعنى أن المخابرات السوفيتية مستعدة لأن تدفع أى ثمن، للحصول عليها..
ولقد كان الثمن، فى المرة الأولى، هو عشرون ألف دولار..
أوَّل ثمن للخيانة، قبضه (هانسن) من السوفيت، عام 1985م، كان عشرين ألف دولار..
وياله من ثمن ! ..
وعلى الرغم من أن المعلومة وحدها كانت تكفى، للتدليل على أهميته، وخطورة موقعه ، إلا أنه يبدو أن (هانسن) أراد إبهار المخابرات السوفيتية، من اللحظة الأولى، لذا فقد أضاف إلى تلك المعلومة الاستراتيجية، معلومة أخرى أكثر خطورة..
أكثر بكثير…
الفصل الثالث:”الـقـدر السـوفيتي”


من عجائب القدر ، أن يتوَّلى (روبرت هانسن) قسم المعلومات السرية، الخاصة بنشاط مكافحة الجاسوسية السوفيتية، فى مكتب التحقيقات الفيدرالى، فى نفس
الفترة التى اتخذ فيها قراره ببيع أسرار (أمريكا) للسوفيت..
ومع تقليبه للملفات السرية، وجد (هانسن) أمامه عشرات الأسماء، لرجال سوفيت، يعملون لحساب الغرب، وينقلون أدق المعلومات السوفيتية، السياسية والاقتصادية،
وحتى العسكرية، إلى قلب (أمريكا) مباشرة..
ومن بين كل هؤلاء، اختار (هانسن) أسماء عملاء المخابرات السوفيتية (kgb)، الذين يعملون لحساب المخابرات الأمريكية..
وفى خطاب التعارف، الذى أرسله إلى (فيكتور تشيركاشين)، فى السفارة السوفيتية فى (واشنطن)، أضاف (هانسن) أسماء ثلاثة من ضباط المخابرات السوفيتية، الذين يعملون لحساب (أمريكا)..
(بوريس يوجين)، و(سيرجى مورتون)، و(فاليرى ماريتنوف)..
وكانت هذه أخطر معلومة، يمكن أن يحصل عليهاالسوفيت، فى تلك الفترة، من الحرب الباردة..
ولقد دفع السوفيت الثمن بسخاء، ولكنهم لم يشعروا بالارتياح، عندما حدَّد لهم (هانسن) فى رسالته الموضع، الذى ينبغى لهم وضع النقود فيه، دون أن يفصح عن
هويته، مدعياً أنه يدعى (رامون جارسيا)..
كان من الواضح أن هذا ليس اسمه الحقيقى، وأنه يحاولالحفاظ على سرية هويته،
لذا فقد قبل السوفيت الأمر على مضض، ووضعوا النقود حيث طلب هو، ثم أضافوا إليها رسالة، تشكره على ما قدَّم إليهم، وتطلب منه أن يواصل التعاون، مع وعد
منهم بدفع مكافآت سخية، على أية معلومات تالية، وفى نهاية الرسالة، كرَّروا طلبهم بمعرفة هوية من يتعامون معه..

ولقد حصل (هانسن) على النقود، بعد أن تأكَّد تماماً، بحكم خبرته، من أن أحداً لا يراقبه أو يتبعه، ولكنه تجاهل تماماً ذلك المطلب الأخير، وإن قرَّر أن يواصل التعاون مع السوفيت..
وفى منزله، وبينما يخط مسودة رسالة جديدة للسوفيت فى القبو، فاجأته زوجته (بونى)، وسألته فى دهشة عن رزمة النقود، التى يضعها أمامه..
وكان من الممكن أن ينسج (هانسن) قصة من خياله، يبرِّر بها وجود تلك الأموال ، وأن ينسب هذا إلى عمله فى مكتب التحقيقات الفيدرالى، إلا أنه لم يفعل شيئاً
من هذا..
لقد أخبر زوجته بالحقيقة..
أخبرها أنه قد حصل على هذه الأموال من السوفيت، نظير معلومات زائفة، قدَّمها إليهم..
ولا أحد يدرى لماذا فعل (هانسن) هذا؟‍!..
لماذا اعترف لزوجته مباشرة، على هذا النحو، حتى وإن ادّعى أن المعلومات، التى
باعها للسوفيت زائفة؟!..
البعض يقول: إن المفاجأة منعته من نسج قصة كاذبة، ولكن أحد الأطباء النفسيين، الذين حلَّلوا شخصيته فيما بعد ، يقول: إن (هانسن) كان يأمل أن تنبهر (بونى)
بالنقود، وأن تؤازره فيما فعل، مما يرفع عن كاهله مشقة السعى لإخفاء الأمر عنها، ويساعده على التمتع بإنفاق النقود بصحبتها..
وهذا التحليل أقرب إلى المنطق والعقل ..
فالواقع أن (هانسن) كان يحب زوجته (بونى) إلى درجة العبادة، ولكن شخصيته، المليئة بالمتناقضات، كانت تدفعه، فى كثير من الأحيان، إلى التقاط بعض الصور شبه العارية لها، بموافقتها التامة،
ثم إرسالها إلى أصدقائه، دون أن تدرك هى هذا، أو حتى تتخيَّله !..

صديقه العزيز (جاك هوشوار) نفسه، يقول: إنه قد تلقى منه ذات يوم، أثناء وجوده
فى الجيش، رسالة تحمل بعض تلك الصور شبه العارية،لزوجته (بونى)، وأنه قد انزعج بشدة، وأعاد الصور إليه، مع خطاب يقول فيه: إنه يعتقد أنها قد وصلته
بطريق الخطأ، إلا أنه فوجئ بخطاب آخر من (هانسن)،يعيد إليه الصور، مع مزيد منها، وهو يقول فى خطاب مرفق: إن هذا يساعد على رفع معنوياته، أثناء حرب
(فيتنام) ..
واندهش (هوشوار) بشدة، إلا أنه احتفظ بالصور هذهالمرة، وبكل الصور شبه العارية، التى أرسلها إليه (هانسن)، فى فترات شبه منتظمة، والتى تبرز كلها
مفاتن (بونى)..
بل إن بعض تلك الصور كانت تحوى تفاصيل اللقاءات الخاصة جداً، بين (بونى) و(روبرت)!!!..
وهذا جزء معقَّد آخر، من شخصية (هانسن) المركَّبة، إذ يبدو أنه كان يهمه كثيراً بأن يراه أصدقاءه كبطل فى مضمار العلاقات الحميمة أيضاً !..
المهم أن (بونى) قد رفضت فكرة تعاونه مع السوفيت بشدة، واستنكرت هذا فى عنف، واصطحبت زوجها فى الصباح التالى، ليعترف للكاهن فى الكنيسة، فذهب معها
مستسلماً، واعترف بكل شئ، فنصحه الكاهن بالتبرع بالنقود للأم (تريزا)، التى تجوب العالم لتقدِّم المساعدات، وأخبره أن هذا سيساعده كثيراً على تجاوز الأمر..
ولا أحد يدرى ما إذا كان (هانسن) قد نفذ ما نصحبه به الكاهن أم لا، وربما فعل حقاً، ليستعيد حب زوجته واحترامها، إلا أنه لم يوف بوعده لها، بالتوقُّف عن
هذا العمل، وإنما أرسل رسالة أخرى للسوفيت، ليكشف فيها واحد من أهم جواسيس (أمريكا) فى (موسكو)..
الجنرال (ديمترى بولياكوف)..

فالجنرال (بولياكوف) كان يحتل منصباً رفيعاً للغاية، فى المخابرات الحربية السوفيتية، وكانت المخابرات الأمريكية تعتبره أخطر وأهم جواسيسها، فى الاتحاد السوفيتى كله، او العراب وهو مصطلح يطلق على علية القوم، وكبار رجالالسياسة أو المجتمع فى (أمريكا)..
ولقد باع (هانسن) سر (بولياكوف) للمخابرات السوفيتية، مقابل عشرين ألف دولار أخرى، طلب وضعها فى المكان نفسه، وحذَّر من أية محاولة لكشف هويته، أو معرفة
حقيقته، وإلا توقَّف تماماً عن إرسال أية معلومات جديدة..
وفى هذه المرة، وقَّع خطابه بالاسم الجديد، الذى اختاره لنفسه، والذى بدا له مثيراً، بالقدر الذى يطالعه فى روايات التجسُّس، التى يعشق مطالعتها، فى أوقات فراغه..
اسم (بى)..
كان (بى) هذا هو الحرف الأوَّل، من الاسم الذى يخاطبه به الجميع طوال الوقت..
(بوب)..
ولقد شعر السوفيت بالحنق والسخط من هذا الأسلوب، ومن إصراره على أن يظل مجهولاً لهم؛ إذ أن هذا يخالف كل القواعد، فى عالم الجاسوسية ويحرمهم من
القدرة على السيطرة، التى تعتبر أهم عامل من عوامل الأمان، فى عمل أجهزة المخابرات..
كان هو المسيطر على الموقف كله..
ولكنه كان أخطر مصدر للمعلومات، فى قلب (أمريكا) كلها، حتى أنه من الممكن كسر كل القواعد، للحفاظ على استمرارية عمله معهم، ومدَّهم بكل ما يقع تحت يديه من
معلومات..

الشئ الوحيد الذى أدركوه، هو أنه يحتل حتماً موقعاً بالغ الأهمية والحساسية والخطورة، وأن باستطاعته كشف كل الأسرار الأمريكية لو أراد..
لذا، فقد استعانوا بالصبر، ونفذوا تعليماته، ووضعوا النقود فى الموضع ذاته ،
مع رسالة شكر جديدة..
واستعذب (هانسن) اللعبة، التى يديرها بنفسه، وعلى النحو الذى يروق له، ويحقق أكبر قدر من الأمن والسرية، وبدا له أنه أذكى جاسوس تعامل مع السوفيت، وخاصة بعدما راجع كل العمليات القديمة، لقسم مكافحة الجاسوسية السوفيتية، وكل الأخطاء التى تسبَّبت فى وقوع العملاء والجواسيس فيها..
وبكل حماس ونشاط، راح (هانسن) يمد السوفيت بعشرات المعلومات، والنشرات، والكتيبات السرية، التى يتم توزيعها داخل مكاتب التحقيقات الفيدرالية، وكل ما
يقع تحت يديه من أسرار ومعلومات، و…
وفجأة، استدعاه رئيسه لمقابلته..
وفى أسرع وقت ممكن..
وهنا، بدأ التوتر يسرى فى جسد (هانسن)، وراح عقله يضع ألف ألف احتمال لهذا الاستدعاء، وراجع كل ما فعله، وتساءل عن الثغرة فى عمله، و..، و……
والتقى به رئيسه، وأخبره ما لديه..
وكانت مفاجأة..
مفاجأة مذهلة.


الفصل الرابع :” الـمسـئول “
آخر أمر يمكن أن تتصوَّره، فى عملية (روبرت هانسن) هذه، هو أنه، فى الوقت الذى بلغ فيه نشاطه ذروته، فى التجسَّس لحساب السوفيت، من قلب مكتب التحقيقات
الفيدرالية الأمريكى، يستدعيه رئيسه؛ ليسند إليه عملاً جديداً، أكثر أهمية ..
وخطورة..
لقد تم ضمه إلى وحدة تحليل المعلومات السوفيتية، فى مقر مكتب (fbi) الرئيسى..
الآن أصبح (هانسن) هو المسئول عن أية معلومات، تخص النشاط السوفيتى، وعن كل الأسرار، التى ترد منه، وكل العملاء، الذين يتجسَّسون عليه..
باختصار، سلموا الجاسوس مفتاح الأسرار..
كل الأسرار..
ليس هذا فحسب، وإنما أصبح (هانسن) أيضاً هو عميل الاتصال، فى مكتب التحقيقات الفيدرالى، والممثل الرسمى له، فى كل اجتماعاته مع وكالة المخابرات المركزية
الأمريكية (cia)، ووكالة الأمن القومى، ومكتب مكافحة الجاسوسية الوطنى، ووكالة المخابرات الحربية..
كان يحضر كل الاجتماعات، بالغة السرية والخطورة، ويستمع إلى كل الأسرار، ويحصل على كل المعلومات، بصفة رسمية تماماً، ودون أن يشك مخلوق واحد فى أمره..
فقد ارتفعت أهميته، لدى المخابرات السوفيتية، إلى أقصى حد ممكن، وخاصة بعدما نقل إليهم كل تفاصيل البرنامج النووى الأمريكى، منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، وحتى نهاية الثمانينات..
وفى الوقت ذاته، وبعد سنوات من المراقبة والسيطرة، ألقى السوفيت القبض على الجنرال (ديمترى بولياكوف)، وعلى (بوريس يوجين)، و(سيرجى مورتون)، و(فاليرى
مارتينوف)، وتم إعدامهم بتهمة الخيانة، باستثناء (بوريس)، الذى حصل على حكم بالسجن المؤبَّد..
وهنا انتبه مكتب التحقيقات الفيدرالى، وانتبهت وكالة المخابرات المركزية الأمريكية، إلى أنه هناك ثغرة كبيرة فى أعماقهم، تتسرَّب منها أهم وأخطر أسرارهم..
فهؤلاء الجواسيس الأربعة، كانت معلوماتهم على درجة بالغة السرية والخطورة، حتى أنه من المستحيل أن يعرفها سوى عميل داخلى..
وعلى درجة رفيعة أيضاً..
وتكوَّنت لجنة تحقيقات مشتركة، من الجهازين الأمنيين معاً، للبحث عن ذلك العميل الخائن، وحملت تلك اللجنة اسم (آناليس)، وهو اسم خنجر قديم خاص، كان
يستخدم فى العصور الوسطى فى (أوروبا)؛ للتخلُّص من الخونة والأدعياء..
والعجيب أن تلك اللجنة قد راجعت ملفات عشرات العملاء السريين، دون أن تلقى نظرة واحدة على ملف (روبرت هانسن)..
لقد كان فوق مستوى الشبهات تماماً، بشخصيته الرتيبة المضجرة، واهتماماته الدينية الزائدة، وحرصه الشديد على إنفاق أمواله، بحيث لم تظهر أية زيادات ضخمة فى حساباته البنكية، ولم تبد عليه علامات ثراء غير طبيعية..
هذا لأنه كان يخشى رد فعل زوجته (بونى)، لو أنه أنفق المال عن سعة، فى أى وقت..

والواقع أن الكل يتساءل الآن، عن السبب الفعلى لخيانة (هانسن)؛ إذ أنه ربما كان المال هو الدافع فى البداية، إلا أنه لم يعد كذلك فيما بعد، فقد أثبتت التحقيقات أنه، وخلال اثنين وعشرين عاماً من التجسُّس، باع خلالها أخطر وأهم أسرار الدولة، لم يحصل سوى على ستمائة ألف دولار فحسب، فى حين أنه هناك عميل
آخر، عمل لحساب السوفيت لسبع سنوات فحسب، وحصل منهم على ما يزيد عن اثنى عشر مليوناً من الدولارات، مقابل معلومات أقل أهمية !..
ولكن ربما لم يكن المال هو دافع (هانسن) للخيانة..
لقد كان الدافع الفعلى هو الشعور بالأهمية والخطورة، وهو ما حرم منه فى طفولته وصباه، وحتى فى عمله فى مكتب التحقيقات الفيدرالى..
والده كان يسخر منه دوماً، ويتهمه بالفشل، بل ويتنبأ له به أيضاً، ثم أصبح زملاؤه يتجاهلونه، ورؤساؤه يؤكدون له أنه ليس كفؤاً للمناصب القيادية، أو حتى للعمل الميدانى..
أما السوفيت، فمن الواضح أنهم قد أخضعوا رسائله إليهم إلى نوع من التحليل النفسى، وأنهم قد استوعبوا من خلالها شخصيته، ونقاط ضعفه النفسية، إذ كانت كل
خطاباتهم إليه مسرفة فى مدح شخصيته، وفى الإشادة بذكائه، وألمعيته، وروح الدعابة البارعة لديه..
بوضوح، كانوا يغذّون مناطق ضعفه النفسية؛ ليضمنوا استمراره فى التعاون..
وليوفِّروا ما يدفعونه له أيضاً..
والواقع أنهم كانوا بارعين فى هذا إلى أقصى حد؛ بدليل أنه قد منحهم كل ما ينشدون، ولم يحصل منهم إلا على أقل القليل..
ثم أنهم كانوا يحتاجون منه إلى خدمات أخرى أيضاً، بخلاف التجسُّس المباشر..

ففى مايو 1989م، بدأ مكتب التحقيقات الفيدرالى تحقيقاً واسعاً، مع (فيليكس بلوك)، وكان مسئول كبير فى الحكومة الأمريكية – حينذاك – بتهمة بيع الأسرار
للسوفيت، وبدأت عملية ملاحقة (بلوك) فى كل مكان تطأه قدماه، حتى يرتكب من الأخطاء، ما يسقطه فى قبضتهم..
ولكن (فيليكس بلوك) لم يرتكب خطأً..
أدنى خطأ..
هذا لأنه، عن طريق (هانسن)، عرف السوفيت كل تحركات المكتب الفيدرالى مسبقاً،
واتخذوا احتياطاتهم ضدها، وأبلغوا بها عميلهم (بلوك)؛ ليتخذ احتياطاته
بدوره..
وكان هذا دليلاً جديداً، لدى مكتب التحقيقات الفيدرالى، على أنه هناك جاسوس خطير بين الصفوف..
وفى الوقت الذى تواصلت فيه تحقيقات لجنة (أناليس)، كان (هانسن) يبيع للسوفيت أخطر أسرار الحكومة الأمريكية..
أخطرها على الإطلاق..
لقد باعهم ما يعرف باسم (خطة استمرارية الحكومة)..
وهذه الخطة، السرية للغاية، عبارة عن كل الترتيبات، التى ينبغى أن يتم اتخاذها، فى حالة حدوث كوارث كبرى؛ لحماية الحكومة، وكل الأجهزة الأمنية الرئيسية، وضمان استمرارها فى ممارسة عملها، والقيام بمهامها، حتى لا يحدث انهيار سياسى أو أمنى فى البلاد..
نفس ما حدث فى الحادى عشر من سبتمبر، عام 2001م، عندما انهار برجا التجارة العالميين، فاختفت الحكومة الأمريكية، وتم إخلاء مبنى (البنتاجون)، ومبنى المخابرات الأمريكية، خلال ساعة واحدة..
لقد واصل الكل عملهم، ولكنهم انتقلوا إلى أماكن سرية بديلة، وفقاً لخطة مسبقة، تضمن السرعة والكفاءة معاً..
تلك الخطة، باعها (هانسن) للسوفيت..

لو كان الاتحاد السوفيتى قد فكَّر إذن، فى غزو الولايات المتحدة الأمريكية، فى أواخر عام 1989م، لما استغرق منه الأمر طويلاً، ليظفر بالحكومة كلها، وبكل
قادة أجهزة الأمن الكبرى، والقادة العسكريين، وربما بالأجهزة الأمنية والعسكرية نفسها، بسبب ما باعه (هانسن) !!..
كل هذا، ولم يحاول مخلوق واحد فتح ملف (روبرت فيليب هانسن)، أو حتى مراجعة تاريخه..
بل، والأسوأ، أن أحداً لم يدرك أنه قد باع أخطر خطة أمنية، فى (أمريكا) كلها..
لذا فقد بدأ (هانسن) يتمادى..
وإلى أقصى حد..
ففى عام 1990م، فى حانة تُدعى (جوانا 1819)، التقى (هانسن) بالمتعرية (برسيلا سوجا يلى)، وتحدَّث إليها طويلاً، ثم لم يلبث أن أخبرها، فى بساطة مدهشة، أنه
يعمل فى مكتب التحقيقات الفيدرالى..
ولقد فوجئت (برسيلا) بهذا، وتصوَّرت أنها لن تراه ثانية أبداً، إلا أنه لم يلبث أن زارها فى اليوم التالى، حاملاً معه عقداً من الماس، انبهرت لمرآه، وسألته كيف دفع ثمنه، إلا أنه ابتسم، وأخبرها أنه ميراث عائلى قديم، يسعده أن
يهديه إليها..
وما أدهشها أكثر، أنه لم يطالبها بأى مقابل لهديته، ولا حتى بقبلة صغيرة..
ومن الواضح أن (هانسن) لم يكن ينشد لديها علاقة جنسية، أو متعة لحظية، بل كان يحتاج إلى من ينفق عليه ما يربحه من الجاسوسية؛ لأنه يخشى أن ينفقه على
زوجته، التى يحبها كثيراً..
بمعنى أدق، كان يفعل مع (برسيلا)، ما يتمنى أن يفعله مع (بونى)..
ولكنه، فى مرحلة تالية، تجاوز كل حدود العقل والمنطق والحذر..
كلها بلا استثناء..


الفصل الخامس: ” إلـى أقـصى حـد “
يقول الخبراء النفسيون: ان الجرأة الزائدة، تعود فى بعض الأحيان إلى الشجاعة الفائقة، وفى معظم الأحيان إلى الحماقة، أو عدم القدرة على تبصُّر عواقب الأمر..
ولا أحد يدرى أى الأمرين يتفق مع تصرفات (روبرت هانسن)، عميل (fbi) رفيع المستوى، الذى قضى شطراً كبيراً من حياته، فى التجسُّس لحساب السوفيت..
ومع ارتباطه بالمتعرية (برسيلا سوجا يلى)، فى صيف 1990م، قام (هانسن) بواحدة من أجرأ وأحمق الخطوات فى حياته !!..
لقد أراد أن يبهر صديقته، التى لم يقم معها أية علاقة حميمة، فتجاوز كل قواعد العقل والمنطق والحذر، وكل إجراءات الأمن والحماية، واصطحبها معه إلى منشأة
تدريب خاصة فى ولاية (كوانتيكيت)، يستخدمها مكتب التحقيقات الفيدرالى، لتدريب عملائه على مهاجمة الخصوم واعتقالهم، مدعياً أنها عميلة مخابرات، تلقى نظرة على نظم المكان..
وقضت راقصة التعرّى يوماً كاملاً فى منشأة سرية، وتابعت كل ما يحدث فيها، وعادت منها مبهورة، لتمنح (هانسن) أوَّل قبلة فى علاقتهما، وأدهشها أنه قد تلقَّاها بابتسامة هادئة متحفظة، ولم يحاول التمادى معها، على الرغم من
استعدادها لتمنحه نفسها لو أراد، فى تلك الليلة..
ولقد عجزت (برسيلا) تماماً عن فهم علاقة (هانسن) بها، إذ أن كل من سعوا للحصول على جسدها، لم يمنحوها عُشر ما منحها إياه (هانسن)، ثم طالبوها بكل
شئ، فى حين منحها هو الكثير، دون أن يطالبها بشئ..
ولقد أدهشها هذا كثيراً، ولكنه أعجبها أكثر فى الوقت ذاته؛ فلأوَّل مرة فى حياتها، يعاملها شخص ما كسيِّدة محترمة، وينفق عليها بسخاء، فى الوقت ذاته..

فلقد كان (هانسن) يصطحبها إلى المتاحف، وقاعات العرض، ويسعى لرفع درجة ثقافتها، وزيادة معارفها ومداركها، فى نفس الوقت الذى يغمرها فيه بهداياه،
حتى أنه قد أهداها يوماً سيارة (مرسيدس)، مع بطاقة ائتمان؛ لتغطية مصاريف الوقود..
بل، واصطحبها فى رحلة عمل إلى (هونج كونج) أيضاً، فى صيف عام 1991م، دون أن يسعى للتمادى فى علاقته معها لحظة واحدة..
كان كل ما يطلبه منها، هو أن تبدو دائماً جميلة متأنقة، وأن ترتدى فى كل يوم ثوباً جديداً، من الأثواب العديدة الأنيقة الغالية، التى ابتاعها لها..
كان من الواضح أنه يرغب فى التباهى بها، وفى أن يحسده الجميع؛ لارتباطه بفاتنة ساحرة مثلها..
ولكن من الواضح أن نساء تلك الفئة من البشر لهن سمة لا تتغيَّر أبداً، مهما منحتهن من حب وعناية وكرم..
لقد تركته (برسيلا) فجأة، دون أى سبب منطقى، وعادت إلى مسقط رأسها، وهناك باعت المرسيدس، واستنزفت بطاقة الائتمان، ثم سقطت فى فخ الإدمان، حتى ألقى
القبض عليها بتهمة الاتجار فى مخدِّر شوارع بسيط..
وعندما اتصلت أمها بالعميل (هانسن)؛ ليدفع كفالتها، أخبرها بقسوة عجيبة أنه لا يساعد المدمنين، وأغلق الهاتف فى وجهها بعنف..
بل ومحا (برسيلا) من عقله، ومن حياته كلها تماماً..

فى تلك الفترة، كان مكتب التحقيقات الفيدرالى، مع وكالة المخابرات المركزية، قد شكلا لجنة أخرى؛ للتحقيق فى أمر الجاسوس، الموجود بين صفوفهما، وأطلقا
عليها اسم (عملية سكاى لايت)، وراحت تلك اللجنة تعيد فحص كل ورقة فى أرفع جهازى أمن، فى الولايات المتحدة كلها..
وفى هذه المرة، راجعت اللجنة ملف (هانسن) أيضاً، ولكنها سرعان ما استبعدته، لكونه خال من الشبهات تماماً !!..
ولكن (هانسن) نفسه، بدأ يشعر بالقلق الشديد..
ليس بسبب اللجنة، ولكن بسبب سقوط الاتحاد السوفيتى، وتغيُّر الأوضاع المفاجئ..
فمع التطورات السريعة المتلاحقة، فوجئ بوفد من
المخابرات السوفيتية السابقة،
يزور الولايات المتحدة الأمريكية، ويلتقى برجال المخابرات المركزية !!..
كان يعلم أن السرية جزء من طبيعة شخصية رجال المخابرات، إلا أنه كان يخشى أن تدور الأحاديث، مع كئوس الشراب، فتخرج كلمة من هنا، أو عبارة من هناك، ينكشف بعدها أمره، ويسقط تماماً..
لذا، فقد أوقف كل نشاطاته التجسسية فجأة، دون حتى أن ييلغ السوفيت بها..
والعجيب أن توقفه هذا قد جاء فى الوقت المناسب تماماً..
ففى يونيو 1992م، ومن خلال لجنة عملية (سكاى لايت)، تجمَّعت لدى المخابرات الأمريكية معلومات خطيرة، تدين عميلها (أولدريتش أيمز)، رئيس قسم مكافحة
الجاسوسية الروسية، بالتجسُّس لحساب السوفيت..
وتصوَّر الكل أن (أيمز) هو ذلك الجاسوس، الذى يبحث عنه الكل، منذ ما يزيد عن سبع سنوات كاملة..

وبدأت عملية مراقبة مكثفة للعميل (أيمز)، وراحت بعض الحقائق بالغة الخطورة تتكشَّف يوماً بعد يوم..
كان (أيمز) ينفق بسخاء شديد، فى نفس الوقت الذى تتزايد فيه مدخراته طوال الوقت، وتبرز قفزات كبيرة، بعد كل مرة يعود فيها من الخارج..
باختصار، كان (أيمز) شديد الإهمال، ويفعل عكس ما يفعله (هانسن) تماماً..
أما (هانسن) نفسه، فقد بدأ يشعر بالتوتر، بعد فترة من الصمت، وخشى أن يعيد اتصالاته بالمخابرات الروسية، خشية أن يؤدّى تغير الأوضاع إلى كشف أمره، فى
نفس الوقت الذى كان يلتهب فيه لهفة، لمعاودة نشاطه التجسُّسى، وكأنما تحوَّل الأمر بالنسبة إليه إلى نوع من الإدمان، لا شفاء منه إلا بمزيد من مزاولته..
وكما يفعل أى مدمن، عندما يُحرم من مصدر إدمانه، اندفع (هانسن) نحو خطوة بالغة الحماقة..
وإلى أقصى حد..
لقد اتجه نحو مرآب خاص بالسفارة الروسية فى
(واشنطن)، وهو مكان تراقبه المباحث الفيدرالية معظم الوقت، واستوقف أحد ضباط الأمن الروسى، وأخبره أنه
عميل فيدرالى، وأنه يرغب فى بيع بعض الأسرار الخطيرة، لجهاز المخابرات الحربية الروسى (gru)..
ولقد اندهش رجل الأمن الروسى بشدة، وتظاهر بالموافقة، ثم انصرف غاضباً، وهو يتصوَّر أنها خدعة أمريكية، وأخبر رؤساءه بالأمر كله، فى اليوم التالى،
راودتهم الفكرة نفسها، حتى أنهم قدموا احتجاجاً دبلوماسياً رسمياً للأمريكيين، الذين لم يصدقوا الأمر كله، وتصوَّروا بدورهم أنها مجرَّد خدعة..
وأفلت (هانسن) بفعلته..
ولكن كانت الامور تتطور ..
وبشدة …
الفصل السادس : ” الحـمـاقـة الأخـيـرة “
فجأة، وجد (هانسن) نفسه فى أرفع منصب، فى قطاع المعلومات، فى مكتب التحقيقات الفيدرالية الرئيسى، ويمتلك صلاحية لدخول أية منطقة، مهما بلغت سريتها، داخل شبكة المعلومات الأمنية الخاصة جداً..
لذا، فقد أقدم على حماقة كبرى..
لقد بحث فى الشبكة عن عنوان منزله؛ ليرى ما إذا كان مراقباً، أو معرَّضاً لأية تساؤلات أو تحقيقات..
وفى نظم الكمبيوتر، كان من المحتم أن يتم تسجيل هذا البحث، ورصد الجهة التى قامت به، وكان هذا كفيلاً بإثارة التساؤل، حول سبب بحث (هانسن) عن عنوان منزله، مما سيقود حتماً إلى الحقيقة..
كل الحقيقية..
ولكن المدهش أن هذا لم يحدث..
لجنة عملية (سكاى لايت) كانت تعمل بأقصى طاقتها، وتسعى لكشف الجاسوس الغامض، وذلك الجاسوس نفسه يترك بصماته داخل شبكة الكمبيوتر، دون أن ينتبه لهذا
أحد !!!..
لقد مرَّت تلك الحماقة بسلامة، وواصلت اللجنة عملها، لتكشف خائناً آخر، وهو عميل مكتب التحقيقات الفيدرالى (fbi) (إيريل بيتس)، الذى تجمَّعت أدلة خيانته، ليتم إلقاء القبض عليه فى الثامن عشر من ديسمبر 1996م، وليتصوَّر الكل أن هذا هو تفسير تسرُّب المعلومات من المكتب، والحل لكل الغموض..
ولكن التحقيقات والبحث أثبتت كلها أن (بيتس) ليس الشخص، الذى سرَّب المعلومات الخاصة بالمسئول الكبير (فيليكس بلوك)، عام 1989م..

من فعلها إذن؟!..
عميل المخابرات (أيمز) لم يكن يعلم، وعميلهم لم يفعلها..
ما زال لغز الجاسوس الغامض مفتوحاً إذن..
كل ما علموه عنهم، من خلال جاسوس لهم، فى أوساط السوفيت، هو أنه يتخذ اسم (بى)..
(روبرت) أيضاً علم بهذا، من خلال موقعه، وقبل أن يتم نقله إلى وزارة الخارجية، كمندوب اتصال بينها وبين مكتب التحقيقات الفيدرالى، إلا أنه لم يبال كثيراً، لثقته فى أن الروس أنفسهم لا يعرفون هويته، وأن أمره لن ينكشف
من خلالهم حتماً..
لذا، وبمنتهى الثقة، عاد (هانسن) يتجسَّس لحساب المخابرات الروسية الجديدة (svr)، بنفس الأسلوب القديم، ونفس الشروط المعتادة، والأماكن المحدَّدة مسبقاً..
وفى هذه المرة لم ينقل إليهم أسرار مكتب التحقيقات الفيدرالى وحده، ولكن أسرار وزارة الخارجية الأمريكية أيضاً..
وبدأت لجنة عملية (سكاى لايت) تشعر باليأس والإحباط، وتتصوَّر أن بحثها عن (بى) لن يثمر أبداً، و…
وفجأة، نجح عميلهم الخاص، فى قلب المخابرات الروسية، فى تصوير ملف الجاسوس (بى)، وإرساله إليهم..
ليس هذا فحسب، وإنما استولى أيضاً على أحد أقراص الكمبيوتر المرنة، التى تضمَّنتها رسائل (هانسن)، وأرسلها عبر عميل آخر، إلى (واشنطن) مباشرة..
وفى (واشنطن)، كانت المفاجأة مذهلة، بكل ما تحمله الكلمة، أو يمكن أن تحمله من معان..
وإلى أقصى حد ممكن..
وبينما تمت مراقبة (هانسن) بمنتهى الدقة، وصل قرص الكمبيوتر المرن إليهم..
وبدأت عملية فحصه بمنتهى الدقة، ومنتهى العناية..
وكانت هناك مفاجأة جديدة..
لقد عثروا على بصمة واضحة، من بصمات يد (روبرت هانسن)، على القرص المرن، الذى أحضره عميلهم من (موسكو)..
وهكذا أصبح لديهم الدليل المادى على خيانته..
وانقضوا عليه بلا رحمة..
وبعد إلقاء القبض عليه، فى تلك الحديقة فى (فرجينيا)، انقض رجال مكتب التحقيقات الفيدرالية على منزل (روبرت هانسن)؛ لتفتيش كل شبر فيه..
وكان هذا أيضاً يحمل مفاجأة..
مفاجأة مخزية هذه المرة..
فلم يكن هناك داع لبذل الكثير من الجهد، فى عمليات البحث عن الأدلة والبراهين، إذ كان جهاز الكمبيوتر الخاص بالعميل الفيدرالى رفيع المستوى (روبرت فيليب هانسن)، كان يحوى من الأدلة ما يكفيهم ويزيد أيضاً..
وكانت هذه أكبر حماقة ارتكبها (هانسن) فى حياته كلها..
حماقته الأخيرة بالفعل..
جهاز الكمبيوتر كان يحوى كل الخطابات، التى أرسلها (هانسن) إلى السوفيت، وإلى المخابرات الروسية..
كان يحتفظ بكل شئ، ولا يمحو كلمة واحدة، بل وينظم الرسائل، ويرتبها، كما لو أنه ينتظر لحظة سقوطه، ليقدمها هدية لرفاقه..
ولم يكن هذا وحده ما يحويه الكمبيوتر..

وطوال محاكمته، ظل (هانسن) متماسكاً، يلتقى مع عائلته فى مشاهد عاطفية للغاية، ولكن دون أن يذرف دمعة واحدة، فى حين كانت (بونى) تذرف أنهاراً من الدموع فى كل مرة..
وامتلأت شبكة الإنترنت بتفاصيل محاكمة (هانسن)، وحملت عشرات المواقع صورته، وقصة حياته..
وقبل حتى أن تنتهى المحاكمة، كانت شركة إنتاج سينمائية ضخمة تتعاقد مع (هانسن) شخصياً؛ لتحويل قصية حياته إلى فيلم سينمائى..
ولقد وافق (هانسن)، بعد مساومة طويلة، حتى يضمن لأسرته الاستقرار المادى، بعد صدور الحكم..
وفى العاشر من مايو 2002م، صدر الحكم على (روبرت فيليب هانسن) بالسجن مدى الحياة، وأعلن القاضى أن ما فعله (هانسن) يعد أكبر خيانة شهدتها الولايات المتحدة الأمريكية، فى السنوات الأخيرة..
ولكنه لم يحكم بإعدامه لسبب ما..
سبب ربما تكشف الأيام القادمة حقيقته !!..
ربما !..
المهم أن (هانسن) قد أصبح أهم قصة جاسوسية، فى السنوات الأولى من القرن الحادى والعشرين..
وأكثر جواسيس التاريخ منحاً للمعلومات..
باختصار، أصبح جاسوساً من الطبقة الأولى، فى تاريخ الجاسوسية..
جاسوس خمسة نجوم..
على الأقل ..

( تمت )
منتديات الهكر العراقي , منظمة الاختراق العراقية kamindoz
Share
روابط هذه التدوينة قابلة للنسخ واللصق
URL
HTML
BBCode

kamindoz


 
::جميع المشاركات المكتوبة تعبّر عن وجهة نظر كاتبها ... ولا تعبّر عن وجهة نظر إدارة الموقع::

C0DED BY IRAQ Electronic Army 2015-2016

iraq , syria , iran ,Afghanistan,Albania , Algeria , Andorra , Angola , Antigua , and , Barbuda , Argentina , Armenia , Aruba , Australia , Austria , Azerbaijan

Bahamas, , The , Bahrain , Bangladesh , Barbados , Belarus , Belgium , Belize , Benin , Bhutan , Bolivia , Bosnia , and , Herzegovina , Botswana , Brazil ,Brunei , Bulgaria , Burkina , Faso , Burma , BurundiCambodia , Cameroon , Canada , Cape , Verde , Central , African , Republic , Chad , Chile , China , Colombia , Comoros , Congo, , Democratic , Republic , of , the , Congo, , Republic , of , the , Costa , Rica , Cote , d'Ivoire , Croatia , Cuba , Curacao ,,,Cyprus , Czech , Republic.Denmark , Djibouti , Dominica , Dominican Republic

Ecuador , Egypt , El , Salvador , Equatorial , Guinea , Eritrea , Estonia , Ethiopia , Fiji Finland France , Gabon , Gambia, , The , Georgia , Germany , Ghana , Greece , Grenada , Guatemala , Guinea , Guinea-Bissau , Guyana , Haiti , Holy , See , Honduras , Hong , Kong , Hungary ,

Iceland,India, Indonesia Ireland Italy