المجنون
لم تكن الشمس قد أشرقت بعد في ذلك اليوم من أيام صيف 1961 م عندما وصلت سيارة إسعاف تحمل شعار القطاع الطبي في ألمانيا الشرقية إلى مبنى من المباني القديمة في قلب برلين الشرقية ، وهبط منها ثلاثة رجال يرتدون زي المسعفين وأسرعوا إلى الطابق الثالث حيث يرتفع صوت صخب شديد واستقبلتهم إمرأة باكية وهي تقول في لوعة : أسرعوا بالله عليكم … إنه يكاد يقتلنا جميعا ! .
اندفع الرجال الثلاثة داخل شقة المرأة حيث وجدوا شابا وفتاة منكمشين في أحد الأركان ورجلا في أواخر الأربعينات يمسك مقعدا يلوح به في وجهيهما وهو يصرخ ويتوعد بكلمات مضطربة مرتبكة توحي بعقل ضائع غير مستقر …
وعندما انقض المسعفون على الرجل ارتفعت صرخاته المضطربة أكثر وقاومهم في شدة وشراسة في نفس الوقت الذي وصل فيه رجال الشرطة الذين جذبتهم الضوضاء وصاح أحدهم في صرامة :
ماذا يحدث هنا ؟!
أجابه أحد المسعفين وهو يحاول السيطرة على الرجل :
انه مصاب بالجنون … ساعدونا في السيطرة عليه .
تردد رجال الشرطة لحظة ثم لم يلبثوا أن انضموا الى المسعفين وتعاون الكل على السيطرة على الرجل وزوجته تواصل بكاءها قائلة :
ترفقوا به أرجوكم ..
ولأن الكثرة تغلب الشجاعة والمجنون أيضا فقد نجح الجميع في السيطرة على الرجل أخيرا وتعاون الكل على حمله بالقوة الى سيارة الاسعاف وولداه يطلان مع زوجته من أعلى وابنه يقول في أسى :
ربما تزايدت الضغوط عليه .
لم يستمع اليه أحد وهم يدفعون الرجل داخل سيارة الاسعاف حيث انضم اليه اثنان من المسعفين الثلاثة في حين استقل الثالث المقعد المجاور للسائق وأغلق رجال الشرطة باب صندوق السيارة الخلفي في احكام ثم أشار احدهم الى السائق قائلا :
انطلق .
انطلقت سيارة الاسعاف على الفور وزوجة الرجل وابناه يلوحون له مودعين وكلماتهم تدعو له بسرعة الشفاء …
وداخل السيارة واصل الرجل صرخاته المضطربة لدقيقة أخرى قبل أن يقول أحد المسعفين في هدوء :
لقد ابتعدنا بما يكفي .
توقف الرجل دفعة واحدة وبدا وكأنه قد شفي من جنونه دون مقدمات وهو يجلس في هدوء رصين قائلا :
فكرتكم كانت عبقرية … فوجود أي شكل سلطوي رسمي جعل الأمور أبسط كثيرا .
ابتسم أحد المسعفين قائلا :
ولكنهم سيفتقدونك بسرعة … هز الرجل كتفيه وهو يقول :
ليس بالسرعة التي تتصورها .. ثم التفت الى الثاني متسائلا في اهتمام :
هل أحضرت الأوراق المطلوبة ؟!
أجابه وهو يناوله حقيبة صغيرة :
بالتأكيد ..
فكان ذلك الرجل الذي نقلته سيارة الاسعاف الزائفة هو( مارك هومر ) أخطر عميل للمخابرات الأمريكية في قلب برلين الشرقية والتي يحيا فيها منذ نهاية الحرب العالمية الثانية باسم ( هانز مولر) الألماني البسيط الذي يعمل في مجال الحسابات ويكره النظام النازي المنهار ويؤمن ايمانا شديدا بالشيوعية …
ولقد بدأت عملية زرع مارك مع الأيام الأخيرة للحرب عندما لم يكن هناك وجود قائم بعد للمخابرات المركزية الأمريكية وانما كان هناك فقط مكتب خدمات استراتيجية يتعاون مع المخابرات البريطانية ويكتسب منها الخبرات خلال فترة الحرب …
ولقد نبتت الفكرة في رأس أحد رجال مكتب الخدمات هذا وطرحها على بعض زملائه عندما كانت الحرب تكتب أيامها الأخيرة ولكنهم وجدوها جنونية وغير منطقية ..
والفكرة كانت باختصار أن الاتفاق قد تم بين الروس من طرف والبريطانيين والأمريكيين والفرنسيين من طرف اخر على تقسيم ألمانيا فيما بينهم وعلى شطر برلين العاصمة الى نصفين الشرقي تحت سيطرة الروس والغربي تحت سيطرة الدول الثلاث الأخرى وهذا يعني أن الجزء الشرقي في برلين سيكون فعليا وعمليا امتداد للنظام الشيوعي السوفيتي في قلب أوروبا …
وسيحتاجون حتما الى عيون عليها ..
ومن ها هنا كانت هذه الخطة البسيطة ..
والعبقرية .
( تمت )
| روابط هذه التدوينة قابلة للنسخ واللصق | |
| URL | |
| HTML | |
| BBCode | |
kamindoz
